ابن عربي
45
فصوص الحكم
عدد غير قليل من الكتب في الحكمة وعلوم الأسرار - السحر وعلم النجوم والكيمياء . وبعض هذه الكتب مزيج غريب من الفلسفة الأفلاطونية والفلسفة المصرية القديمة مع شيء من الأساطير اليونانية . فلما فتح العرب مصر والشام وجدوا تلك المؤلفات الهرميسية ، لا في صورتها الأصلية ، بل بعد أن عمل فيها التفكير اليهودي عمله وترك فيها طابعه الخاص . وسرعان ما اقتبسوا منها وتمثلوا أفكارها وأضافوا إلى هذه الأفكار أو نقصوا منها . فبعد أن كان هناك هرميس واحد أصبح الهرامسة عند العرب ثلاثة : الأول هرميس الذي هو « أخنوخ » وهذا هو الذي سموه إدريس . يحكي القفطي واليعقوبي وابن أبي أصيبعة أنه عاش في صعيد مصر قبل الطوفان ، وأنه جاب أقطار الأرض باحثاً عن الحكمة ثم رفعه الله إليه . قالوا وقد كان أول من تكلم في الجواهر العلوية وحركات الأفلاك إلخ إلخ . ولا داعي لذكر باقي الهرامسة لعدم حاجتنا إليهم هنا . وليس هناك من شك في أن العرب قد عرفوا بعض الكتب الهرميسية ، والكتب التي ترجمت حياة هرميس . يقول القفطي إنه نقل بعض صفحات من كتاب لهرميس في الحديث الذي دار بينه وبين طوط . وليس هناك من شك أيضاً أن بعض مؤلفات كبار المسلمين مثل رسالة حي ابن يقظان لابن سينا ومؤلفات ابن عربي والسهروردي المقتول تمت بصلة وثيقة إلى الكتابات الهرميسية . فحي بن يقظان مثلًا ليس إلا اسماً وضعه ابن سينا للعقل الفعال الذي يشرح أسرار الكون على نحو ما يشرح بومندريس في الكتابات الهرميسية أسرار الوجود لابنه طوط . وليس إدريس في فصنا هذا سوى روح مجرد يَسكن فلك الشمس ، وهو الفلك الذي قال قدماء المصريين إنه مقام روحانية هرميس ووكلوا إلى هرميس اختيار أرواح الموتى قبل دخولهم فيه .